غزة/ دعاء الحطاب:
داخل مخيم «بسمة أمل» في النصيرات وسط قطاع غزة، تجلس الأربعينية أم محمد الجمل في زاوية خيمة لا تقي حرّ النهار ولا برد الليل، تراقب طفليها التوأم البالغين خمسة أشهر، بينما يتصاعد بكاؤهما بين الحين والآخر. هذه المرة، لا يرتبط البكاء بالجوع، بل بألم باتت تعرف سببه جيدًا: "حفاضة امتلأت منذ ساعات ولا بديل متاح".
ففي قطاع غزة، لم يعد توفير حفاضات الأطفال أمرًا اعتياديًا، بل تحوّل إلى معاناة يومية تتطلب جهدًا كبيرًا للبحث عنها أو لتأمين ثمنها المرتفع، في ظل أزمة خانقة جعلت منها سلعة أساسية تُدار وفق حسابات دقيقة داخل كل منزل.
ومع استمرار النقص، تلجأ الأمهات إلى ترشيد الاستخدام إلى أقصى حد، عبر إطالة مدة الحفاضة الواحدة لساعات طويلة أو حصر استخدامها لليل فقط، فيما تضطر أخريات إلى استخدام أقمشة قديمة أو مناشف صغيرة مغلفة بالنايلون كبدائل مؤقتة، لكنها لا توفر الحماية الكافية وتؤدي إلى مضاعفات صحية مثل التسلخات والالتهابات الجلدية.
وتشير تقديرات منظمات إنسانية إلى أن الرضيع يحتاج ما بين 5 إلى 8 حفاضات يوميًا، وهو رقم أصبح من الصعب تحقيقه، ما أجبر العائلات على تقليص الاستخدام إلى الحد الأدنى.
«حفاضة واحدة لا تكفي»
بصوت متعب وعيون دامعة، تقول أم محمد لـ"الاستقلال": "أحسب الوقت بدقة بين كل تغيير وآخر، ليس خيارًا بل ضرورة… الحفاضات في غزة لم تعد سلعة عادية، بل عبء يومي يرهقنا".
وتضيف: «نبحث عنها في الأسواق والصيدليات، وإذا وجدناها تكون بأسعار خيالية تفوق قدرتنا»، مشيرة إلى أن سعر كيس الحفاضات رقم 4 وصل إلى نحو 90 شيكل.
وتوضح أنها كانت تحتاج سابقًا إلى 6–8 أكياس شهريًا، لكن حتى الحد الأدنى من الرعاية أصبح غير ممكن. ومع غياب البدائل، اضطرت لاستخدام القماش والنايلون، ما أدى إلى إصابة طفليها بتسلخات شديدة، تضيف:"صاروا يبكوا من الألم بشكل متواصل، وأنا عاجزة عن مساعدتهم».
وتتابع بحرقة:"مش هاين علي أشوفهم يتعذبوا، لكن الوضع أقسى منا وما في يد حيلة"، لافتة إلى أن زوجها فقد عمله بعد إصابة أدت إلى بتر قدميه، ما فاقم معاناتهم المعيشية.
وكانت الأسرة تعتمد سابقًا على الحفاضات التي توزع في مراكز الإيواء التابعة لـ"الأونروا" والمساعدات الإنسانية، إلا أن هذه الإمدادات توقفت مؤخرًا، ما تركهم أمام خيارات شبه معدومة.
أوجاع لا تنتهي
لا تقيس الأم إيمان طه (29 عامًا) يومها بالساعات، بل بعدد المرات التي تتحمل فيها طفلتها ألم الحفاض البديل.
تقول: طه لــ" لاستقلال" وهي تحاول تهدئة طفلتها بعد ليلة طويلة من البكاء:"كل ما أريده أن تنام ليلة بلا ألم، لكن هذا أصبح صعبًا".
وتضيف أنها اضطرت بعد نفاد الحفاضات لاستخدام أقمشة بديلة سببت التهابات وتسلخات حادة لطفلتها، ما أدى إلى بكاء متواصل، مشيرة إلى أن البدائل تتسبب أيضًا بتسرب مستمر يضاعف أعباء الغسيل وارتفاع التكاليف.
وتوضح أنها تلجأ أحيانًا لترك طفلتها دون حفاض لفترات محدودة لتخفيف الألم، رغم ما يسببه ذلك من متاعب إضافية.
وتختم بمرارة: " إلى متى سيستمر هذا الوضع؟ لماذا يدفع أطفالنا ثمن هذه المعاناة؟".
اختفاء تدريجي
في سوق النصيرات الشعبي، يعرض البائع أحمد ياسين كميات محدودة من حفاضات الأطفال، وسط نقص واضح في توفرها.
يقول:"الأزمة بدأت تدريجيًا وتفاقمت مع تراجع دخول البضائع والمساعدات، ما انعكس على الأسعار وتوفر السلع الأساسية".
ويضيف أن سعر الكيس يتراوح بين 60 و90 شيكل بحسب الحجم، بعد أن كان يتذبذب بشدة منذ بداية الحرب، حيث وصل في بعض الفترات إلى مستويات غير مسبوقة، ثم انخفض مؤقتًا مع دخول مساعدات محدودة.
ويشير إلى أن السوق يشهد حالة من عدم الاستقرار، حيث تنخفض الأسعار عند دخول المساعدات وترتفع فور توقفها.
وبحسب تقارير إنسانية، يعاني أكثر من مليون طفل في غزة من نقص حاد في الاحتياجات الأساسية، في ظل تدهور الخدمات الصحية وشح مواد النظافة، بما فيها الحفاضات، ما يزيد من مخاطر الأمراض الجلدية وسوء التغذية، خاصة في أماكن النزوح المكتظة.
وتحذر جهات إغاثية من أن نقص مستلزمات الرعاية الصحية للأطفال الرضع، مثل الحفاضات، يزيد من احتمالية الإصابة بالتهابات جلدية ومضاعفات صحية، خاصة في بيئات النزوح المكتظة وضعف


التعليقات : 0